عبد الملك الجويني
161
الشامل في أصول الدين
وقد كان أئمتنا صدرا من الدهر يقولون : حقيقة الغيرين : كل موجودين يجوز تقدير وجود أحدهما مع عدم الثاني ، ولذلك امتنعوا من إطلاق القول بأن صفات الرب تعالى أغيار . وكان شيخنا أبو الحسن ينصر هذا المذهب برهة من الزمان ، فوجه عليه سؤال من بعض المخالفين ، وقيل له : لو كان حقيقة الغيرين كل موجودين ، يجوز وجود أحدهما مع عدم الآخر ، لما علم الدهري - الصائر إلى القول بقدم الجوهر - مغايرة جسم جسما . ونحن نعلم على الضرورة أن معتقد قدم الجواهر إذا نظر إلى شخصين ، علم أن أحدهما غير الثاني ، ولو كان [ ت ] حقيقة الغيرية راجعة إلى جواز العدم ، لما علم الغيرية من لم يعلم جواز العدم . فاختار شيخنا تغيير العبارة لدفع السؤال ، فقال : الغيران : كل موجودين تجوز مفارقة أحدهما الآخر في العدم ، أو الوجود ، أو المكان ، أو الزمان ، فيندفع السؤال على ذلك . فإن الملحد ، وإن لم يعلم جواز العدم ، لم يخف عليه تحقق مفارقة أحدهما الآخر في المكان أو الزمان . واختلفت عبارات المعتزلة في حقيقة الغيرين . فقال بعضهم : الغيران هما الشيئان . وزاد بعضهم فقال : كل شيئين يجوز العلم بأحدهما مع الجهل بالآخر ، فهما غيران . وقال أبو هاشم في بعض مقالاته : الغيران : كل ما صحت فيه عبارة التثنية . وذهب شرذمة من المعتزلة إلى أن الغيرين : هما الذاتان اللتان قامت بهما الغيرية . فقدّروا الغيرية معنى زائدا ، وهذا يداني مذهب قول من قال : إن المختلفين مختلفان لمعنى . والدليل على فساد قول من قال : إن الغيرين هما الشيئان ، أن نقول : لو كان حقيقة الغيرين ما قلته ، لوجب على طرده أن يقال : إذا كان الغيران شيئين ، والشيئان غيرين ، وجب أن يكون الشيء الواحد غيرا من حيث كان شيئا حتى إذا قدر شيء فرد لزم إطلاق القول بأنه غير لما سمى شيئا ، وهذا باطل لا خفاء به . إذ يستحيل أن يغاير الشيء الواحد نفسه ، كما يستحيل أن يماثل نفسه أو يخالفها ، إذ التغاير من الألفاظ المتعلقة بالذاتين فصاعدا . فكل مذهب جرّ صاحبه إلى تحقيقه في الشيء الواحد ، كان باطلا . فإن اعترضوا على ذلك ، وقالوا : قد يثبت عند الاجتماع من الصفات ما لا يثبت عند الانفراد . والدليل عليه أن اسم الجسم إنما يتحقق عند اجتماع جوهرين أو جواهر ، ولا يتحقق ذلك عند تفرد الجواهر شيئيتها آحادا ، وهذا تلبيس منهم ، وحيد عن موضع الإلزام ، فإنهم لما قالوا : الغيران هما الشيئان ، فقد ربطوا غيرية الغيرين بشيئية الشيئين . وإذا تحققت الشيئية في الفرد ، فلم لا تتحقق الغيرية فيه . فهذا وجه إلزامنا . وأما الذي ألزمونا ، فليس نلتزم . فإنا لم نقل : حقيقة الجسم الجوهران ، فيلزمنا تثبيت